محمد بن وليد الطرطوشي
273
سراج الملوك
الباب الحادي والثلاثون في بيان الشّح والبخل وما يتعلق بهما الشّحّ في كلام العرب : البخل ومنع الفضل ، كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يدعو : « اللهم إني أعوذ بك من شحّ نفسي وإسرافها ووساوسها » « 1 » . وروى جابر « 2 » : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « اتقوا الشح ، فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم » « 3 » ، وقد فرق بينهما « 4 » مفرّقون ، فقالوا : الشح أشد من البخل ، فإن البخل أكثر ما يقال في النفقة وإمساكها ، قال الله تعالى : سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ آل عمران : 180 ] وقال تعالى : وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [ محمد : 38 ] . وقال تعالى في الشح : أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا [ الأحزاب : 19 ] وقال تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الحشر : 9 ] فالشح يبنى على الكزازة « 5 » والامتناع ، فهو يكون في المال وفي جميع منافع البدن . وقال ابن عمر : ليس الشّح أن يمنع الرّجل ماله ، وإنما الشّحّ أن يطمع فيما ليس له . ولهذا قال ابن المبارك « 6 » : سخاء النّفس عما في أيدي الناس ، أفضل من سخاء النفس بالبذل .
--> ( 1 ) الحديث : رواه القرطبي عن أنس ( الجامع لأحكام القرآن ، ج 18 ص 21 ) . ( 2 ) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام الأنصاري ، شهد بيعة العقبة الثانية ، وشهد أكثر الغزوات ، روى كثيرا من الأحاديث وكانت وفاته بالمدينة سنة 74 ه . ( 3 ) الحديث : رواه الإمام أحمد في مسنده 3 / 323 ، والقرطبي في الجامع 18 / 21 كما رواه الإمام مسلم والبيهقي وابن كثير وغيرهم والحديث صحيح . ( 4 ) أي بين الشح والبخل . ( 5 ) كزّ كزازة : انقبض ويبس ، والكز هو المنقبض واليابس . ( 6 ) هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي ، الحافظ شيخ الإسلام المجاهد التاجر ، صاحب التصانيف والرحلات الذي أفنى عمره في الأسفار صاحبا ومجاهدا وتاجرا ، جمع الحديث والفقه والعربية وأيام الناس والشجاعة والسخاء ، كان من سكان خراسان ومات ( بهيت ) على الفرات سنة 281 ه ( الأعلام للزركلي 4 / 115 ) .